حيدر حب الله
320
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر
ومن الواضح أنّ هذه القاعدة الفقهيّة لا تهدف إلى نفي الترابط بين ابن الزنا وأسرته أبداً ، وإنّما تهدف إلحاق الولد بالفراش عند الشك ، وأين هذا مما نحن فيه ، حتى نقفز من هذه الدائرة الضيّقة لمعنى عام ؟ ! وقد أبطل العلماء في محلّه ما نُسب إلى الإمام أبي حنيفة - انسجاماً مع هذا الفهم غير الصحيح للحديث - حيث عمّمه إلى حالة اليقين بانتساب الولد للزاني . وعليه ، فالحديث النبويّ والنصوص المستندة إليه لا يمكن الجزم بانعقادها على ما هو أوسع من هذا ، بل غايته اختصاص النصّ بحال كون المرأة المزنيّ بها متزوّجةً أو أمةً ، لا مطلقاً ؛ بقرينة إقحام الفراش هنا ، وليس الحديث بصدد حصر الولديّة بالفراش ، فهذا غير مُحْرَز من سياقاته . وبعبارة أخرى : إنّ الحديث النبويّ لا يُحرز صدوره بصدد بناء قانون عام مطلقاً في أنّ الولد لا يُنسب لأهله إلا عبر الفراش ، فيما لا ينال الزاني شيئاً ، بل من المحتمل جداً - بقرينة أغلب ، وربما كلّ ، موارد ورود هذا الحديث سنّياً وشيعياً - أن يكون المراد منه حالة الزنا بالمتزوّجة أو الأمة ، فيلحق الولد بالزوج لا بالزاني . ولهذا كلّه ، وجدنا فريقاً كبيراً في الفقه السنّي يعترف بالعلاقة النسبيّة بين الولد وأمّه دون العلاقة بينه وبين أبيه « 1 » ، ولعلّ هذا يكون مؤشراً لكون السبب هو أنّ علاقته بأمّه واضحة ، بخلاف علاقته بأبيه الزاني ، حيث لا فراش ، كما لا توجد معطيات علميّة قاطعة بالنسب في تلك العصور بالخصوص . وربما لهذا أيضاً نُسب إلى بعض القدماء أنّه كان يرى إلحاق الولد بأبيه الزاني إذا لم
--> ( 1 ) انظر : السرخسي ، المبسوط 17 : 154 ؛ والمنتقى 4 : 183 ، و 6 : 254 ؛ وأسنى المطالب 3 : 20 ؛ والمغني 6 : 228 .